يوسف المرعشلي

998

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

عاش مجاهدا بقلمه ولسانه وروحه ، وبفكره وعلمه ، وضحّى بكل ما يملك من عز وجاه ، في سبيل إعلاء كلمة الحق ، والذود عن الدين الإسلامي الحنيف . ولد في أسرة عريقة في الحسب والنسب بمدينة « طراز » في بلاد تركستان الغربية . وهو نجل سماحة الشيخ محمد ابن السيد محمد غازي الحسيني . ووالدته حفيدة الأمير برزك خان آخر أمراء الدولة الإسلامية في تركستان الشرقية ( الواقعة تحت سيطرة الصين ) . أتمّ تعليمه الابتدائي بمدينة طراز ، تحت رعاية والده وعلى يد أساتذة خصوصيين ، ثم انتقل إلى مدينة « طشقند » لإتمام تعليمه الثانوي والعالي ، وتخرّج من جامعة أبي القاسم ، ثم سافر إلى بخارى ، حيث أتم سنة 1917 م دراساته العليا ، وتخصّص في علوم التفسير والفقه والأدب العربي ، كما نال إجازة التخصص في الحديث النبوي عن أستاذه الشيخ محمد العسلي الشامي رئيس بعثة التبليغ الإسلامي من طرف السلطان عبد الحميد في الشرق الأقصى . ثم عاد إلى بلدته « طراز » ليبدأ جهاده ضد الاحتلال الروسي الشيوعي مدة اثني عشر عاما ، كونه أحد العلماء والزعماء البارزين في بلاد تركستان ، وذلك بتشكيل اتحاد الطلبة التركستانيين سنة 1917 م تأييدا للحركة الوطنية الإسلامية العامة في تركستان ، وإعلان استقلال البلاد في سنة 1917 م في مدينة « خوقند » عاصمة فرغانة ، مع بذل أقصى الجهد للحفاظ على وحدة الشعب التركستاني في تلك الآونة الخطيرة لتاريخ البلاد . وقد جاهد لمحاربة الإلحاد بالكتابة والخطب ، ولا سيما بالرد على ما نشره الملحد الدهري ( نعمت حكيم ) في كتابه باللغة التركستانية : « هل محمد رسول من قبل اللّه ؟ » حيث أنكر الوحي والنبوة وتدرّج إلى إنكار الخالق عز وجل ، فقام الطرازي بتأليف كتاب باللغة التركستانية سماه « القرآن والنبوة » ردا عليه ، وأخذ يلقيه فصلا بعد فصل في خطب أيام الجمعة ، حتى صدر الأمر من موسكو بالقبض عليه ومصادرة مؤلفاته التركية والفارسية والعربية ، وألقي القبض عليه ، ودخل السجن مدة من الزمن . وكان يواصل الكتابة في المجلات الإسلامية التي كانت تصدر في « طشقند وسمرقند » أمثال مجلة « الإسلام » ومجلة « آيينه » والقيام بمهمة الإمامة والخطابة ، ورئاسة تحرير مجلة « إيضاح المرام » لسان حال جمعية علماء تركستان ، كما تولى القضاء الشرعي سنة 1923 م ، ورئاسة إدارة الشؤون الدينية بمدينة طراز سنة 1934 م ولقب بشيخ الإسلام ، إلا أنه اضطر للاستقالة منهما لتدخل الروس في شؤون الشريعة الإسلامية ، وإصرارهم على غلق المدارس الابتدائية التي فتحها الطرازي للتعليم الديني ، في مواجهة حركة الإلحاد التي وصلت ذروتها بتشجيع من الحكومة الروسية . واحتل الروس الشيوعيون بقوة السلاح الإمارات الإسلامية الثلاثة في تركستان « إمارة خوقند وإمارة خيوة ، وإمارة بخارى » من سنة 1918 م إلى 1921 وجزّؤوها إلى خمس جمهوريات ( أوزبكستان وقازاقستان وقرغيزستان وتاجيكستان وتركمانستان ) ثم ضموها إلى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في سنة 1923 ، وسميت بجمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية بدلا من تركستان ، حيث تم إلغاء هذا الاسم سنة 1924 بقانون روسي . إلا أن الشعب التركستاني لم يسكت ولم يستسلم لهذا الاعتداء الغادر ، فقامت حركات المقاومة الشعبية في أرجاء البلاد معتمدا على إيمان الشعب المسلم . وكان على الطرازي أن يؤدي واجبه بصفته عالما دينيا وزعيما سياسيا في توجيه الشعب المجاهد بصفة عامة ، وكرئيس لجمعية تحرير تركستان في بلدة طراز ، إلا أن هذه المقاومة فشلت بعد أن استمرت مدة خمسة عشر عاما ، ضحّت فيها تركستان بأرواح خمسة ملايين شهيد في ميدان الجهاد ، وخمسة ملايين تم نفيهم إلى معتقلات سيبيريا ، ونحو ثلاثة ملايين تركوا ديارهم مهاجرين في سبيل اللّه إلى مختلف دول العالم . وكان لا بد له أن يهجر بلاده تركستان إلى بلد إسلامي آخر ، حفاظا على دينه وحياته ومبادئه الإسلامية ، بعد أن ظل يجاهد باللسان والقلم لسنوات طويلة ، حتى أحاط به الخطر من كل جانب ، فأجبرته الظروف على الهجرة .